عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

568

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

وبسبب هذا قال من قال : إِن الرواية من الكتاب كالمنقطعة ؛ لأنها مأخوذة عن مجهول ، وتارة يعلل بالطعن في صحة تحمل الرواية والشهادة لانتفاء السماع ، والذين يجيزون ذلك يحتجون بكتابة النبي صلى الله عليه وسلم إِلَى الملوك وغيرهم ، وبعمل خلفائه من بعده بالمكاتبات ونحو ذلك مما ليس هذا موضع بسطه . وهذه المناولة التي ذكرناها هي أن يناوله شيئًا معينًا من رواياته قد عرفه ، ويخبره أنه من رواياته ، ويأذن له في روايته عنه ، أو يكتب إِلَيْهِ بخطه الإذن في رواية شيء معين من رواياته . فأما الإجازة المطلقة ، وهو أن يقول : أجزت لك جميع ما يصح عندك من مروياتي ، أو يكتب إِلَيْهِ بذلك ، فهذا فيه نزاع بين من يرى صحة المناولة المعينة ، والذي نقله أبو بكر الخطيب وغيره عن أهل المدينة العمل به ، وقد أنكره جماعة ممن يرى صحة المناولة المعينة ، كأحمد بن صالح المصري ، ولذلك نقل حنبل عن الإمام أحمد ما يدل عَلَى كراهته ، وممن أنكر ذلك البرقاني وأبو بكر الرازي ، وطائفة من الفقهاء والمحدثين ، وأكثر أصحاب الشافعي وأحمد عَلَى جوار ذلك ، وتوسعوا في ذلك حتى جوزوا الإجازة المطلقة لكل أحد ، وهي التي تسمى الإجازة العامة ، وجوزوا الإجازة للمعدوم . وهذا كما توسع المتأخرون في السماع ، فإن المتقدمين كانوا لا يسمعون إلا من أهل المعرفة والحفظ ، حتى تنازعوا في صحة الرواية عمن يحدث من كتابه ، ولا يحفظ حديثه ، فمنعه مالك ويحيى بن معين وغيرهما ، ورخص فيه آخرون إذا كانت كتبه محفوظة ، وأهل المغرب إِلَى الآن يشددون في ذلك ، وبسبب ذلك صارت أسانيدهم نازلة . وأما أكثر المتأخرين ، فإنهم يسمعون عَلَى الشيوخ الذين لا يعرفون ما يقرأ